عمرو سكر

المحادثة الرابعة

2020-06-15
المحادثة الرابعة : نصف ساعة
"اسرع طريقة لفقدان الوقت ..هي ان تظن ان لديك ما يكفي منه" - ستيوارت ستافورد -
صوت حركة ورقة جرائد في الهواء ..متبوع باصوات اخرى تستطيع استنتاج انها اصوات رجل خمسيني تحتضن ارجله بعضها البعض ويعدّل وضع الجريدة ليستطيع القراءة بوضوح …
تقاطع اصواته العشوائية صوت غليان زيت قادم من المطبخ ...تستطيع استنتاج انه صوت قلي طعام افطار مصري.
يقاطع جميع تلك الاصوات ...صوت فتح باب ...ثم صوت موسيقي اجنبية غير معتادة ..ثم صوت غلق باب...مصحوب بصوت المفصلات الصدئة للباب ..
وبين تلك السيمفونية المزعجة من الاصوات المنزلية ...ينظر الرجل الخمسيني من فوق نظارته لابنته شروق ..فتاته التي لا تشبهه منذ صغرها وحتي تلك اللحظة في منتصف عشريناتها..
-لازم يعني الخبط والرقع ده عالصبح؟
-ايه يا بابا؟
-خلاص اتطرشتي؟...لازم مزيكا عالصبح؟
-مش لازم اي حاجة بصراحة ..صباح الخير ..
-رايحة الشغل ولا ايه؟
-مش رايحة لأ..بعد اذنك هدخل اساعد ماما ..
تهرول سريعاً للمطبخ لكي تنهي الحديث حيث توقف..تتجاهل والدتها التي تقف امام البوتوجاز المشتعل ...وتفتح الثلاجة ....وتقف الفتاة العشرينية امام الثلاجة ..كمسافر بلا هدف ..شاردة الذهن ..لا تدري عما تبحث ..او لماذا فتحت باب الثلاجة من الأساس..ربما لكي تخفف نسمات الهواء البارد وطأة حديث والدها الحار المزعج.
-ما تساعديني بدل الوقفة دي ..
-انا متأخرة مش عايزة افطر ..
-متأخرة علي ايه ان شاء الله؟ انتي مش سبتي الشغل؟
-ممكن بابا ميعرفش؟ ممكن لمرة واحدة في الخمسة وعشرين سنة اللي فاتوا عليا ...يبقي في حاجة بابا معرفهاش عني؟
-هيعملك ايه؟ يعني هو هيضربك بسكينة؟
-ياريت ..ياريت يضربني بسكينة واحدة كبيرة ..لكن ده هيقعد يشكني بابر صغيرة في الراحة وفي الجاية ..وخلاص هو طلع عالمعاش ...يعني فاضيلي ..
-طب وانتي ناوية علي ايه بعد ما سبتي الشركة؟ ..مش دي الشغلانة اللي مكملتيش الكلية بسببها؟ ايه الخطة دلوقتي؟
-الخطة دلوقتي يا ستي ...اني هخش البس وانزل ..
-شروق …
-نعم ؟
-بتاخدي الدوا؟
-معقولة؟ ..ماما بتفكرني بدوا الاكتئاب؟ ده ايه التطور الجميل ده؟ عموماً اه متقلقيش الحاجة الوحيدة اللي مبنساهاش…
-رايحة فين بقي؟
-أماني وخطيبها عازميني علي خروجة كدة …انا متأخرة اصلاً المفروض اقابلهم كمان نص ساعة بالكتير
تختطف شروق بعض البطاطس المحمرة حديثاً من الطبق بجانبها ..وتهم بالخروج من المطبخ وتوقفها يد والدتها التي استدارت لتنتبه لها ولتستطيع ان تنظر في عينيها وتستشف مشاعرها بدقة
-في اخبار من خالد؟
-تاني يا ماما؟
-انا عايزة اعرف ايه اللي حصل؟ من امتي والموضوع تقيل اوي كدة؟
-الغريب يا ماما ان الموضوع ملوش اي معني بالنسبة لي ..ولا اي معني بالنسبة لخالد ..ولا اي معني لأي حد حضر الخطوبة ...بس لسه ليه معني عندك…
-اكيد ليه معني.. فاكراني مبسوطة اوي وانا بفكرك بالدوا بتاعك يعني؟
-للمرة الألف...اللي فيا مش بسبب خالد ..اللي فيا عيا زي اي عيا ..انا عيانة من قبل خالد ..وانا اللي سبت خالد ..وانا اللي مسؤولة عن اللي حصل ..
-يعني مفيش أمل المية ترجع لمجاريها تاني؟
-لأ يا ماما…
تمر نسمة هواء حارة بجانب أذن شروق ..مصحوبة بصوت تنفس ناري جحيمي ..لشخص يفتح باب الثلاجة خلفها ..ويسحب زجاجة مياة من جيب الزجاجات في الباب …
-بتقوليلها ايه بس؟ هو خلاص حد عاجبها؟ …
تمر لحظات من الصمت تغلق شروق جفنيها ..في أمل ضعيف ان تفتحهم في مكان اخر ..وتمنت للحظات ..ان يكون لأذنيها جفنان مماثلان ..
© 2020, Made with love